عبد الملك الجويني

48

نهاية المطلب في دراية المذهب

والمرتبة الرابعة - اطراد الغفلة ، وهي محطوطة بالكلية . هذا الذي ذكرناه هو الأصل ، أما الغفلة ، فلا خلاف فيها . وأما النوم ، فالمذهب فيه ما قدمناه ، ومن أصحابنا من جعل مستغرِقَه كمستغرِقِ الإغماء ، ويعزى هذا إلى أبي الطيب بن سلمة ( 1 ) . وألحق بعضُ أصحابنا طارئ الجنون بالإغماء ، وهذا في نهاية البعد . فأما نص الظهار ، فموجَّهٌ بأن الإفاقة إذا ثبت شرطُها ، حلّت في وضعها محل القصد الحقيقي ، وهو النية ، والنيات محالّها أول ( 2 ) العبادات . ومن قال : طريان الإغماء كطريان الحيض ، فوجه قوله ( 3 ) التشبيهُ ، والإغماءُ كالحيض وجوداً ؛ من جهة أن [ واقعه ] ( 4 ) لا يُدفع ، ثم هو لا يدوم دوام الجنون ، فكان كالحيض ، ولهذا شابَهه في إسقاط ( 5 ) قضاء الصلوات دون قضاء الصوم ، وإذا ثبت الشبه وجوداً وحكماً ، ألحق به . وأما وجه القول المخرج الموافق لمذهب المزني ، فظاهرٌ ( 6 ) ، ومستنده الاكتفاء بالنية السابقة ، وحصول الإمساك . وإذا لم يكن ذكرُ النية شرطاً ، فلا يظهر بعد ذلك اشتراطُ الإفاقة . ومن اعتبر الطرفين وهو أضعف الأقوال ، اعتقد ما بينهما محتوشاً بهما وحكم بمقتضاهما على ما بينهما . فهذه طريقة الأصحاب ( 7 ) .

--> ( 1 ) أبو الطيب بن سلمة : الإمام محمد بن الفضل بن سلمة بن عاصم البغدادي ، اشتهر بأبي الطيب بن سلمة ، نسبة إلى جده ، من متقدمي الأصحاب ، أصحاب الوجوه ، تكرر في المهذب والوسيط ، والروضة ، تتلمذ على ابن سريج ، له مصنفات عدة . ت 308 ه‍ ( تهذيب الأسماء واللغات : 2 / 246 ) . ( 2 ) في ( ط ) : أوائل . ( 3 ) في ( ط ) : قول التشبيه . ( 4 ) الأصل : دافعه . ( 5 ) في ( ط ) إثبات . ( 6 ) في الأصل : فظاهره . وفي ( ط ) ظاهرٌ ( بدون فاء ، وبدون هاء الضمير كما أثبتناه ) . ( 7 ) في ( ط ) : للأصحاب .